صديق الحسيني القنوجي البخاري
206
فتح البيان في مقاصد القرآن
والمعراض ، ويعني بالبندق قوس البندقية ، وبالمعراض السهم الذي لا ريش له أو العصا التي رأسها محدود ، قال : فمن ذهب إلى أنه وقيذ لم يجزه إلا ما أدرك ذكاته على ما روي عن ابن عمر وهو قول مالك وأبي حنيفة أصحابه والثوري والشافعي ، وخالفهم الشاميون في ذلك . قال الأوزاعي : في المعراض كلّه خزق أو لم يخزق فقد كان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وعبد اللّه بن عمر ومكحول لا يرون به بأسا ، قال ابن عبد البر : هكذا ذكر الأوزاعي عن عبد اللّه بن عمر ، والمعروف عن ابن عمر ما ذكر مالك عن نافع ، قال : والأصل في هذا الباب والذي عليه العمل وفيه الحجة حديث عديّ بن حاتم وفيه : « ما أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ » « 1 » انتهى . قلت : والحديث في الصحيحين وغيرهما عن عدي قال : قلت يا رسول اللّه إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب فقال : « إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصاب بعرضة فإنما هو وقيذ فلا تأكله » « 2 » ، فقد اعتبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الخزق وعدمه ، فالحق أنه لا يحل إلا ما خزق لا ما صدم ، فلا بد من التذكية قبل الموت وإلا كان وقيذا . قال الشوكاني : وأما البنادق المعروفة الآن وهي بنادق الحديد التي يجعل فيها البارود والرصاص ويرمى بها فلم يتكلم عليها أهل العلم لتأخر حدوثها فإنها لم تصل إلى الديار اليمنية إلا في المائة العاشرة من الهجرة ، وقد سألني جماعة من أهل العلم عن الصيد بها إذا مات ولم يتمكن الصائد من تذكيته حيا ، والذي يظهر لي أنه حلال لأنها تخزق وتدخل في الغالب من جانب منه وتخرج من الجانب الآخر وقد قال صلى اللّه عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح السابق : إذا رميت بالمعراض فخزق فكله ، فاعتبر الخزق في تحليل الصيد انتهى . والحاصل أن جملة ما يحل الصيد به من الآلات هذه البنادق الجديدة التي يرمى بها بالبارود والرصاص ، فإن الرصاصة يحصل بها خزق زاد على خزق السهم والرمح والسيف ، ولها في ذلك عمل يفوق كل آلة ، ويظهر لك ذلك بأنك لو وضعت ريشا أو نحوه فوق رماد دقيق أو تراب دقيق وغرزت فيه شيئا يسيرا من أصلها ثم ضربتها بالسيف المحدد أو نحو ذلك من الآلات لم يقطعها وهي على هذه الحالة ، ولو رميتها بهذه البنادق لقطعتها .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في البيوع باب 3 ، والذبائح باب 1 ، 2 ، 9 ، ومسلم في الصيد حديث 3 ، 4 ، وأبو داود في الأضاحي باب 22 ، والترمذي في الصيد باب 7 ، والنسائي في الصيد باب 2 ، 8 ، 22 ، 23 ، وابن ماجة في الصيد باب 7 ، والدارمي في الصيد باب 4 ، وأحمد في المسند 4 / 256 ، 377 . ( 2 ) تقدم راجع الحاشية السابقة .